كلمة الاقتصادية العدد رقم 4076-08/12/2004م
صناع السوق.. القرار المرتقب
08/12/2004 / يمكن القول الآن وبعد أن استوعبت السوق درس "السبت" الماضي، أن القرار المنتظر من هيئة السوق المالية لأجل أن توفر لمهامها الجسيمة بيئةً استثمارية مثالية، يمكن أن تتقبل بمستوى عالٍ من المسؤولية تسنمها لتلك المهام والأدوار التنظيمية المطلوبة والمنتظرة.
حدث ما حدث لسوق الأسهم السعودية في بداية هذا الأسبوع، والذي ترتب عليه فقدان المؤشر نحو 5.5 في المائة من قيمته، وهو ما يعادل نصف مكاسب الشهر الماضي، الذي قفز بنحو 970 نقطة عن بداية تشرين الثاني (نوفمبر)، وكان الانكسار الذي حدث مفاجأة غير متوقعة بالنسبة للكثير من المحللين والمراقبين، والسبب في ذلك أن السوق كانت مندفعة بفضل الأداء النتائجي المتميز للشركات ذات الأرباح والكبيرة فيها، على رأسها شركتا سابك والاتصالات وبقية البنوك السعودية. كما مثلت تلك الانتكاسة مفاجأةً بالدرجة الثانية أنها جاءت بعد إصدار هيئة السوق المالية للوائح التنفيذية الثلاث التي تحكم وتحمي السوق من التلاعبات وصغار المساهمين في الدرجة الأولى، منهيةً حقبة من عمر السوق شاع فيها انتهاك كبار المضاربين للأنظمة والقوانين الحاكمة للسوق القائمة في ذلك التاريخ. ويبدو أن صدور تلك اللوائح قد أغضب كثيراً أولئك المضاربين الكبار أو كما يحبون أن يطلق عليهم "الهوامير"، فكان ما حدث للسوق ليس إلا إسقاطاً لردة فعلهم الساخطة، ذلك أحد التفسيرات المطروحة. المؤكد أن انكسارة السوق ليست الأولى ولن تكون بالتأكيد الأخيرة، فما هو المطلوب الآن من هيئة السوق المالية لأجل تخفيف أو منع وقوع مثل تلك الانكسارات المفاجئة على المستثمرين والمضاربين في السوق؟
لعل المطلوب كثير جداً، ولا يمكن استعراضه كاملاً الآن، غير أن ما كنا كمراقبين ومحللين للسوق نطالب به منذ فترةٍ طويلة قد أصبح ملحاً وضرورياً الآن! ويتمثل ذلك المطلب في إيجاد "صناع السوق Market Makers"، فهؤلاء هم من يضطلع بالدور الرئيس في مجال تحديد أسعار أسهم الشركات المدرجة في السوق بناءً على العديد من المعطيات المتوافرة لدى أولئك الصناع. ويُقصد بصناع السوق أولئك المتعاملون في الأسهم بيعاً وشراء، ويقومون بالاحتفاظ لديهم بمخزون من تلك الأسهم يحددونه حسب المستويات الآنية للعرض والطلب على الأسهم، وذلك بهدف تلبية طلبات بقية المتعاملين في السوق. ويمتاز صناع السوق أن لديهم القدرة والاستعداد الدائم لبيع أو شراء الأسهم التي يود المتعاملون شراءها أو بيعها. ويختلف نوع صناع السواق من سوق مالية إلى أخرى، ففي الأسواق المالية المنظمة يعد المتخصصون هم صناع السوق كما في الولايات المتحدة، أما في الأسوق غير المنظمة فإن التجار هم صناع السوق، وهذا ما كان يحدث في سوقنا المالية قبل أن تبدأ بترتيب وتحديث هيكلها، غير أن دورهم انحصر في خدمة مصالحهم الخاصة على حساب المصلحة الكلية لبقية أطراف السوق. وبغض النظر عن نظام السوق فإن صناع السوق سواء كانوا متخصصين أم تجارا فهم يمارسون دور الوسيط بين فئة من يودون الشراء من بقية المتعاملين في السوق ومن يودون البيع، بالاعتماد أساساً على المخزون الكافي من الأسهم لدى صناع السوق، وذلك لمقابلة طلبات الشراء والبيع التي يتم اتخاذ قراراتها في أوقات مختلفة. ويستفيد صناع السوق من ذلك الحصول على الفرق أو الهامش بين سعر الشراء وسعر البيع، ويحددون أسعار بيع تلك الأسهم بناء على قيمتها وقت شرائهم لها مضافا إليها تكلفة التخزين وعائد الفرصة البديلة، إضافة إلى عوائد التعويض عن مخاطر تغير الأسعار ونقص المعلومات وتغير أسعار الفائدة.
يمكن القول الآن وبعد أن استوعبت السوق درس "السبت" الماضي، أن القرار المنتظر من هيئة السوق المالية لأجل أن توفر لمهامها الجسيمة بيئةً استثمارية مثالية، يمكن أن تتقبل بمستوى عالٍ من المسؤولية تسنمها لتلك المهام والأدوار التنظيمية المطلوبة والمنتظرة، أن تبدأ بإيجاد صناع السوق الذين يستقبلون فوائض العرض من الأسهم، وأن توفر الأسهم المطلوبة شراء حال ارتفاع الطلب عليها بحدة، ولها من القدرات المتوافرة الكثير، فعدا الصناديق الاستثمارية المدارة من البنوك المحلية، هناك صناديق التقاعد والتأمينات الاجتماعية، وبإشراف مباشر منها على عمل تلك الصناديق يمكن أن تحقق النجاح المطلوب في هذا الاتجاه، وهو خيار مهم جداً يقطع الطريق على كل من تسول له أطماعه أو أنانيته إلحاق الضرر بمصالح الآخرين والسوق والاقتصاد والوطن في نهاية الأمر، فهل ننتظر صدور القرار قريبا؟!